منتديات تومسالت ترحب بزوارها الكرام تدعوكم لتسيجل وان تكونوا ا حد اعضاءها - وتقبلوا من فريق إدراة  منتديات تومسالت فائق الاحترام والتقدير وشكرا لكم على الزيارة


العودة   منتديات تومسالت > الأقــســـام الــعـــامــة > قسم الاداب والعلوم الاجتماعية

قسم الاداب والعلوم الاجتماعية لتعم الفائدة على طلبتنا الاعزاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-18-2011, 05:09 PM
الصورة الرمزية زيدان حيمر
زيدان حيمر زيدان حيمر غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: الجزائر
المشاركات: 203
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى زيدان حيمر إرسال رسالة عبر Skype إلى زيدان حيمر
افتراضي نظرية المعنى عند "ابن قتيبة"

الفصل الثالث : نظرية المعنى عند النقاد القدامى:
المبحث الأول : نظرية المعنى عند "ابن قتيبة" :
يعد ابن قتيبة من النقاد العرب الذين تناولوا قضية المعنى بالدراسة و التحليل و قد أورد آراءه في هده القضية من خلال الكتب التي ألفها ومن هده الكتب نجد كتاب (الشعر و الشعراء).
وإذا حاولنا دراسة قضية المعنى من خلال آراء "ابن قتيبة"فإننا نجده دائما يقرن بين اللفظ و المعنى فنجده في اغلب الأحيان يجمع بين اللفظ و المعنى« و اللفظ و المعنى عند ابن قتيبة يتعرضان معا للجودة و القبح و لامزيه لأحدهما على الأخر ولا استئثار بالأولوية لأحد القسمين فقد يكون اللفظ حسنا و كذلك المعنى و قد يتساويان في القبح وقد يفترقان(1)«.
نلاحظ من خلال هدا النص أن "ابن قتيبة" يربط بين اللفظ و المعنى و يعتبر ان لا مزية لأحدهما على الآخر فقد يتعرضان للجودة معا أو للقبح معا .
و "ابن قتيبة" في دراسته لهده القضية اعتمد على الشعر و على هدا الأساس قسم الشعر إلى أربعة أقسام أو إلى أربعة اضرب :
«1- ضرب حسن لفظه و جاد معناه .
2 - ضرب منه حسن لفظه و حلا فإذا فتشته لم تجد فائدة في معناه .
3 - ضرب منه جاد معناه و قصرت ألفاظه.
4 - ضرب منه تأخر معناه و تأخر لفظه (2)« .
ونجده قد أعطى مثالا عن كل ضرب من هده الاضرب ي الضرب الأول الذي حسن لفظه و جاد معناه يقدم لنا مثالا من خلال بيتين "لأوس بن حجر":
»[ أيتها النفس أجملي جزعا إن الذي تحذرين قد وقعا]
[ و النفس راغبة إذا رغبتها و إذا ترد إلى قليل تقنع] (1) «
نلاحظ من خلال هذين البيتين أن "ابن قتيبة" يحاول الكشف عن كمال الجودة في هدا الضرب الأول- الذي حسن لفظه و جاد معناه- و هو يعتمد في هذا على جمال الصياغة و كدا المعنى الأخلاقي في الشريف
أما عن الضرب الثاني – الذي حسن لفظه و لم يجد معناه – فقد مثل له ببعض الأبيات من الشعر ل – عقبة ابن كعب بن زهير- التي يقول فيها :
« [ولما قضينا من منى كلا حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح]
[ و شدت على حدب المهاري رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح] (2)« .

و"ابن قتيبة" من خلال هذين البيتين يريد أن يوضح لنا كيف يكون الضرب الثاني من أضرب الشعر فنلاحظ أن أبيات هدا الشاعر تبدو ألفاظها رائعة و في قمة الجمال إلا أننا إذا حاولنا أن نستبق المعاني التي يحملها نجد أنها معاني مبتذلة ضعيفة إن لم نقل أنها لا تحمل معاني أصلا .
أما عن الضرب الثالث الذي جاد معناه وقصرت ألفاظه فيمثل له بقول "لبيد".
«[ما عاتب المرء الكريم كنفسه و المرء يصلحه الجليس الصالح]»(3)


وقد علق "ابن قتيبة" على هذا بقوله «هذا و إن كان جيد المعنى و السبك فإنه قليل الماء و الرونق (1)«
و هذا يعني أن هذا البيت يحمل معاني جيدة و سامية فهو يدعو الى مجالسة الناس الصالحين لأن ما يصلح المرء هو مجالسة الناس للصالحين فعلى الرغم من جودة المعنى الذي يحمله إلا أن الألفاظ التي عبر عنها الشاعر عن هذا المعنى تبقى ألفاظا بسيطة عادية لا جمال فيها فنجد هده الألفاظ أدنى شأنا من المعاني التي تمثلها
و الضرب الرابع و الأخير الذي تناوله" ابن قتيبة "و هو الذي تأخر لفظه و تأخر معناه كقول "الأعشى ".

[ إن محلا و إن مرتحلا و إن في السفر إن مضوا مهلا]
[ يستأثر الله بالوفاء و بالحمد ويولي الملامة الرجالا]
[و الأرض حمالة لما حمل الل ه و ما إن ترد ما فعلا ](2) «
فهدا الشعر حسب "ابن قتيبة" هو شعر بين التكليف رديء التصنيع و هذا يعني أن ألفاظ هدا الشعر ليست بألفاظ جيدة و معانيه كذلك فكل من اللفظ و المعنى يعتبر قبيحا و هدا النوع من الشعر نجده غالبا عند العلماء مثل – الاصمي- و ابن المقفع- و –الخليل و يرى" ابن قتيبة"«أن اختيار الألفاظ من فضل الشاعر و حذقه لأن اللفظ القبيح يقبح الشعر حتى لو كان جميلة » (3) و هدا يعني أن المسؤول عن ورود هده الألفاظ و المعاني جيدة أو قبيحة و هدا يتفوق طبعا على مدى دكاء الشاعر و حذقه و كدا تمكنه من اللغة.
هذا فيما يخص اضرب الشعر التي وضعها "ابن قتيبة "في تقسيمه له و هدا باعتبار الألفاظ و المعاني و مدى و جودتها أو رداءتها و هو ما مكنه من تقسيم الشعر إلى أربعة اضرب كما ذكرنا سابقا .
أما فيما يخص نظرة ابن قتيبة إلى المعنى فنجد أنها متجسدة من خلال بحثه في مجازات القران الكريم المصوغة على غرار مجازات الكلام عند العرب فهده الطرائق و المآخذ في القول التي تكسب القرآن خصائصه البلاغية تجعله ممتنعا عن الترجمة فهو يرى «أن الإخراج القرآني للمعنى يكون في صورة متفردة إقرارا بتعاضد العناصر اللفظية مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها و تصل مقطوعها وتظهر مستورها »(1)
فعلى الرغم من أن الترجمة تكون في إطار اللغة إلا أن هذا النقل يمكن أن يفكك بنية هذا النص و بالتالي يحدث تغييرا في المعنى الذي يحمله فالمعنى في الأصل مرتبط باللفظ و بالتالي فان تفكيك الألفاظ و نقلها ينتج عنه تفكك المعنى و تغيره.
و إذا تمعنا جيدا في التقسيمات الأربعة التي قسمها " ابن قتيبة "في جودة الشعر و قبحه و ذلك بالاعتماد على صفات الألفاظ و المعاني «غير أن المعاني التي يقصدها "ابن قتيبة" ليست معاني الشعر المطلقة متضمنة حسن التعبير عن الحال و الموقف او التصوير للشيء تصويرا فيه إشباع لحسن الشاعر و شعوره و إرضاء كذلك لحسن القارئ و شعوره »(2).
إذا فالمعاني التي يقصدها "ابن قتيبة" هي تلك المعاني الأخلاقية التي تفيد الناس و تقدم لهم شيئا ينفعهم كما يجب أن تقدم للفكر شيئا جديدا.
كما أن"ابن قتيبة "في تقسيماته السابقة للشعر يبدو متأثرا اشد التأثير بالمنطق الأرسطي كما انه قد تأثر كذلك بقضية اللفظ و المعنى التي نشأت عن قضية الإعجاز القرآني «فمن المعروف أن علماء المسلمين اختلفوا حول سر الإعجاز القرآني فرده البعض إلى اللفظ و رده آخرون إلى المعنى بينما رأى فريق ثالث أن سر ذلك يرجع إلى الصياغة التعبيرية للقران الكريم التي يتحد فيها اللفظ بالمعنى اتحادا قويا(1)«غير أن هذه القضية انتقلت فيما بعد من الإعجاز القرآني إلى الأدب و اللغة و هو ما جعل "ابن قتيبة" يهتم بهذه القضية حيث قسم من خلالها و في إطارها الشعر إلى الأقسام الأربعة التي اشرنا إليها سابقا.
أما إذا أردنا أن نبين كيف نظر" ابن قتيبة" إلى المعنى نجد أن نظرته تختلف عن نظرة "الجاحظ" إليه فهو يعتبر المعاني نفسها تتفاوت و المعاني ليست مطروحة في الطريق كما زعم "الجاحظ" و المعنى عند" ابن قتيبة" «يعني الصورة الشعرية مثلما يعني الحكمة » (2)و هذا ما نستنتجه من خلال الأمثلة التي أوردها في كتابه (الشعر و الشعراء) حين قام بتقييم الشعر غير انه خلال إيراده لهده الأمثلة نجد انه كان يقتصر على البيت الواحد ليستمد منه الحكم على شعر صاحبه و هذا ما عيب عليه.
وإذا كان "ابن قتيبة" يقصد باللفظ التأليف والنظم فإنه يقصد بالمعنى «الفكرة التي يبين عنها البيت و الأبيات »(3)فالصياغة تفرز باعتبارها محصلة تشكيل المعنى كما تتجسد في اللفظ و الوزن و الروي عند نثرها فكرة و سيمكننا رأي" ابن قتيبة" في الفكرة المنثورة من تصور رأيه في المعنى الذي يتنزل عنده في مستويين مستوى قيمي أخلاقي يشكل محصلة تصوره وظيفة الشعر و مستوى صوري يبدو مضمنا في اللفظ فالصياغة وكمال الخطاب الأدبي لديه هو في تعاضد قيمة المعنى و أخلاقيته و خلابة الصياغة و جمالها و نلاحظ أن" ابن قتيبة "يركز على الصياغة الجميلة للشعر غير انه يركز أكثر من ذلك على المعنى الأخلاقي و هدا ما نستشف من خلال تعليقاته التي يعقب بها ما يرويه من شعر في سياق التمثيل لأنواع الشعر التي و ضعها « إذ يقول في تعليقه على النموذج الأول لم يقل في الهيبة شيء أحسن منه و عقب الثاني لم يبتدئ احد مرثية بأحسن من هذا.و عقب الثالث يذكر رواية عن" الأصمي" فحواها أن هذا أبدع بيت قالته العرب و البيت "لأبي دؤيب" هو قول:
[والنفس راغبة إذا رغبتها و إذا ترد إلى قليل تقنع] »(1)
أما تعليقه عقبا النموذج الرابع الذي يجسد ثقل الهرم على نفس الشاعر فهو قوله و لم يقل في الكبر أحسن منه. لتنتهي أمثلة ضد الضرب و من منا و حسب رأي " ابن قتيبة" فان الصياغة الشعرية لا تكتمل و لا تكون حسنة إلا إذا كان في المعنى فائدة أخلاقية أما إذا خالا هدا الشعر و هده الصياغة من المعاني التي تحمل فوائد أخلاقية يعتبرها "ابن قتيبة "قبيحة و لا فائدة منها « و يولي "ابن قتيبة" المعنى في ذاته في إطار ما عرف به من صدق أو اقتصاد أو إسراف أو غلو و بما يمكن أن يحتويه من عيوب أخرى مثل أخطاء الشعراء عموما أهمية » (2) و لكن موقفه من القضية غير حاسم فهو في بعض المواضيع ينتصر للإفراط مثلا و يرى طلك جائزا و لعل ذلك كان نتيجة لدفاعه عن إعجاز القران الكريم و إبطال الرأي القائل بأنه كدب لكنه في مواضيع أخرى يقر بعيب هذا المنحى في القول "وابن قتيبة " في تقسيماته السابقة لم يورد أي معايير لاستحسانه للشعر أو استهجانه «إذ يمكن الوصول إلى علاقة تربط اللفظ بالمعنى أو حتى مواصفاتها فنحن إذ وجدناه يحفل بالمعنى و صدقه و قربه من الخلق تارة وجدناه يقبل المغالاة و المبالغة تارة أخرى و إن اهتم بالمعنى على حساب اللفظ »(3) غير أن تقصيره يبدو واضحا فهو لم يبين لنا المقاييس التي اعتمده .
و الخلاصة التي يمكن أن نخرج لها من خلال هذه الدراسة هي أن "ابن قتيبة"وإن أدرك التلاحم الموجود بين المعنى و اللفظ في إطار الصياغة الواحدة إلا انه ظل مشدود إلى هده الثنائية و قد ارتكز في دراسته للمعنى على القيمة الأخلاقية و جعل منها معيار يحكم به على مدى جودة الشعر أو رداءته فيرى في الشعر الذي يحمل معاني أخلاقية سامية التي يمكن أن تفيد الإنسان يراه شعرا جيدا أما الشعر الذي تخلو معانيه من المبادئ الأخلاقية يراه شعرا ضعيفا مبتذلا و الدليل على دلك تقسيمه للشعر إلى الاضرب الأربعة التي تطرقنا إليها سابقا.
المبحث الثاني : نظرية المعنى عند "الجاحظ" :
لقد إنقسم نقاد العرب و بلاغيوهم – مند العهود المتقدمة – في قضية اللفظ و المعنى إلى طوائف ، فمنهم من ينظر إلى أن مقومات العمل الأدبي ترجع إلى جانب المعنى مفضلا شأن اللفظ و الصياغة، و منهم من سوى بين اللفظ و المعنى ، وفريق منهم ينظر إلي الألفاظ من جهة دلالتها على معانيها في نظم الكلام و لكن ما يعنينا هنا هو توضيح موقف الجاحظ من المعنى »إن الخلاف القديم ، والقائم حاليا بين النقاد حول معرفة الموقف الحقيقي" للجاحظ" من اللفظ و المعنى راجع أساسا إلي الخلاف الملحوظ أحيانا في تعبيره هو نفسه عن هذه المفاهيم ، فقد رأينا كيف كان يطلق المعاني و يريد ألفاظ و كيف فسر مفهوم كلمات و مفهوم أسماء الواردين في القران.و هذا الخلط في التعبير عن المفاهيم لم يتعرض له النقاد على ما يبدو ، و الحال أنه يشكل تناقضا صريحا لا يمكن التسليم به "للجاحظ"مادمنا لا نرميه بالتهافت العقلي لقد أكد الجاحظ على أن المعاني مبسوطة إلى غير غاية و ممتدة إلى غير نهاية و إلى ما جاء في القرآن من أن الكلمات لا تنفد (1) «
و نحاول تعميق هذه الفكر معه و توضيح ما يقصده بها :لقد رجع "الجاحظ" إلى هذه الفكرة في عدة مواضيع مما يدل على أنها تشكل قاعدة ثابتة يجب اعتبارها و الأخذ بها في نظامه هذا ، فهو بعد أن ذكر كيف اضطر المتكلمون إلى أحداث ألفاظ لم تكن موجودة من قبل قال « و إنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء عن إتساع المعاني ».(1)
و اعتمادا على هذا القول يمكن القول بأن" الجاحظ" يرى أن هناك : المعاني الواسعة التي لا نهاية لها ، لأنها تمثل جميع الكائنات التي خلقها الله ، ثم في درجة ثانية الأسماء التي تعبير عن هذه الكائنات ، و "الجاحظ" يصرح أنها عاجزة عن اتساع المعاني كما صرح في موضع أخر بأنها مقصورة و اخبرا الألفاظ التي جيئ بها لسد عجز الأسماء و تكمل ما بها من نقص .
و هذا التصور هو الذي جعل الجاحظ يقرر قاعدة أساسية ، بنى عليها نظريته في العلم و الأدب ، و هي القائلة العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شيئا حسنه لأن العلم في هذه النظرية إنما هو العلم بالمعاني أعني الكائنات غير المسماة و التي لا تزال مجهولة لدى الإنسان. و الجاحظ يعبر عن هده الاتساع بمفاهيم مختلفة ، نذكر منها أربعة تبين لنا ما يقصده بذلك.
أ : اللانهاية:
فعلاوة عما قلنا سابقا فا"لجاحظ" يصف المعاني في مكان أخر و يقول :
»إنها بعيدة للغاية قائمة على النهاية »(2)مما هو تأكيد لنفس الفكرة بنفس المفهوم لأن القيام في هذا السياق إنما هو الاتساع و البعد كما في قوله :» و المعاني القائمة في صدور الناس(...)بعيدة و حشية ».(3)
ب : مفهوم الإهمال :
فعند حديث "الجاحظ" عن الدلالات التي تنوب عن المعاني في التعبير يقول : »هي التي تجعل المهمل مقيد و الإنسان لولا للسان في نظره و نظر معاصريه صور ممثلة أو بهيمة مهملة ».(1)وإذا كانت المعاني هي الأمور، كان تركها مهملة يؤدي إلى العناء ، و يمكن أن نلحق بهذا المفهوم مفاهيم أخرى كغفل و منحل و التضييع .
ج : مفهوم المعاني الساقطة المطرحة :
تتجلى لا نهاية المعاني أيضا في المفهوم الذي كرره "الجاحظ "في مواضيع عديدة ، نذكر منها قوله : و الدلالات هي التي تكشف عن العاني في الجملة (....) وعما يكون منها لغوا بهرجا و ساقطا مطروحا.
و تحت هذا المفهوم ينبغي إدخال قوله المشهور الذي أورده في الحيوان في الجزء الثالث الصفحة مائة و واحد و ثلاثين و الذي يقول فيه : »و المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجم و العربي» (2)وهذا النص طالما سيئ فهمه لأنه يجب – في رأينا – حملة على معنى اللانهاية. لا على معنى الاحتقار و عدم المبالاة بالمعاني المطروحة في الطريق في هذه النظرية هي جميع الكائنات التي تملأ الفضاء و تعمره ، فالحصان مثلا معنى موجود في كل مكان يراه و يعرفه العربي و العجمي ، و إنما الفرق و الاختلاف في كيفية تسميته و تعينه هنا و هناك ، و الجاحظ نفسه يؤكد لنا ذلك في مكان أخر حيث يمحص فكرته هذه بقوله : و ليس في الأرض لفظ يسقط البتة ولا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الأماكن .
فالمعاني التي كنا نظنها ضائعة مهملة أصبحت الآن تصلح لشيء من الأشياء .
بل ليس فيها ما يلغى أو يبور ، وحالها في ذلك الحال الألفاظ ، لأن السخيف من الألفاظ مشاكل للسخيف من المعاني و قد يحتاج إلي السخيف في بعض المواضع و ربما بأكثر من إمتاع الجزل الفخم من الألفاظ و الشريف الكريم من المعاني .
و هذا ليس تناقضا من "الجاحظ" أو تهافتا منه ، لأن ما يقصده بالطرح في الطريق للمعاني أو الألفاظ هو حالها التي تكون عليها قبل تركيبها و تنظيمها في جمل للتفاهم ، و طرحها في طريق أشبه بالحلة التي تكون عليها في قوائم المعجمات، فهي مبثوثة هنا و هناك تنتظر تركيبها و صوغها في جمل مفيدة صالحة للتخاطب ، ويؤيد هذا الرأي أن "الجاحظ "بعد عبارته المذكورة عقب قائلا(....) و إنما الشأن في إقامة الوزن و تغير اللفظ و سهولة المخرج و كثرة الماء و في صحة الطبع و جودة السبك ، فإنما الشعر صناعة و ضرب السيج وحنس من التصوير.
فما يقابل المعاني المطروحة في هذه النظرية ليس الألفاظ لأنها هي الأخرى معنية بالطرح و السقوط و إنما يقابلها السبك و النسيج و التصوير يعني التركيب الذي هو تعريف اللغة في فهم اللسانيات اليوم كما سنوضحه في موضعه.
د: مفهوم المعاني موجودة في معنى معدومة:
و قد صرح بهذه عند تعريفه للبيان بقوله: »المعاني القائمة في صدور الناس (....) مستورة خفية(....)
موجودة في معاني معدومة »(1) و" الجاحظ" يقصد بذلك أن المعاني تنتقل من الكائنات الموجودة في كل مكان إلي أذهان الناس و نفوسهم و خواطرهم في شكل صور هي في الحقيقة موجودة لكنها معدومة ما لم تظهر في أصوات و حروف يسمعها الناس و يفهمونها.
و لإدراك ما يقصده بهذا المفهوم ينبغي الرجوع إلي فصل طويل حشد فيه كثير من الأشعار تدور حول معنى واحد هو الجميع بين ضدين جمعا يبدو محالا مع أنه صحيح و يعبر عن حقيقة الوجود ذاته ، و مما جاء فيها و صف قوس:
[في كفه معطية منوع موثقة صابرة جزوع]
و في وصف سهم أصاب حمارا حتى نحى من شخصه و مانحا.
لكن الأشعار التي تعبر أحسن تعبير عن هذا الوجود الذي في المعنى العدم هي التي يتخللها نفس فلسفي كقول "حميد بن نور الهلالي":
[ و حسبك داء أن تصح و تسلما ]
و قول "الهذيلي" : و إذا ترد إلى القليل تقنع
و قول" أبي العتاهية" : أسرع في نقص امرئ تمامه
و علق الجاحظ على هذا بقول: ذهب إلى كلام الأول:
كل ما أقام شخص و كل ما زاد نقص و لو كان الناس يميتهم الداء إذا لأعاشهم الداء.
و يبلغ التناقض قمة المحال في هذه الأبيات الوجودية الرائعة:
[يا دار قد غيرها بلاها كأنما بقلم محاها].
[أخربها عمران من بناها وكر ممساها على مغناها ]
و يفسر الجاحظ هذا التناقض بقوله :»فلما بقي الحزاب فيها و قام مقام العمران في غيرها سمي بالعمران(...).و جعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة و تسمية الشيء باسم غيره إذا أقام مقامه(.....)».(1)
- يقول "الجاحظ "تعليقا على بيتين من الشعر:
«و أنا قد سمعت آبا عمرو ، و قد بلغ من استجابته لهذين البيتين ، و نحن في المسجد يوم الجمعة ، و أن كلف رجلا حتى احضر دواة و قرطاسا حتى كتبهما له و أنا ازعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا ، و قولا أن أدخل في بعض القيل لزعمت أن ابنه اشعر منه ، و هما قوله:
[ لا تحسبن الموت موت البلى و إنما الموت سؤال الرجال ]
[ كلاهما موت و لكن ذا أفظع من ذا لذل السؤال ]
و ذهب الشيخ إلى استحسان المعني ، و المعاني مطروحة في الطريقة يعرفها العجمي و العربي ، و البدوي والكردي، و إنما شأن في إقامة الوزن و تميز اللفظ و سهولته ، و سهولة المخرج ،و جنس من التصوير »(1)
و في عبارة" الجاحظ"هذه على شهرتها و كثرة تداولها، بل و تأثيرها الشديد فيمن جاءوا بعد" الجاحظ" من نقاد ، غموض واضح فهي لم تحدد التحديد الصحيح لمفهوم المعنى عند "الجاحظ" و فصلت فصلا صارما بين المعنى و اللفظ .
إن عبارة "الجاحظ "التي سقناها لا تكفي في تحديد المقصود بالمعنى و المقصود باللفظ : و إنما الذي يحدد مفهومه للفظ و المعنى فهو كتاب (البيان و التبيين ).
على أننا لو تتبعنا كتاب "الجاحظ" في أكثر من موضع ، و على الأخص في المواقف التي يشير فيها إلى تحديد معنى البلاغة ، و التي وقفنا عند بعضها و استعرضناه و كذلك في المواقف التي يوجه فيها ملاحظات نقدية أو يقرر فيها حقائق عن علاقة اللفظ و المعنى لرأينا في كل ما نقرأ أن "الجاحظ" لم يحدد مفهوم الصياغة التحديد الواضح ، و يبدو انه ترك هذا التحديد لمن يجيء بعده من الدراسيين فهو مثلا في تحديده لمعنى البيان يقول : و قال بعض جهابذة الألفاظ و نقاد المعاني : »المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم ، و المختلجة في نفوسهم ، و المتصلة بخواطرهم و الحادثة عن فكرهم مستورة خفية ، و بعيدة وحشية ، و محجوبة مكنونة ، و موجودة في معنى معدومة ، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه ، و لا حاجة أخيه و خليفة و لا معنى شريكه و المعاون له على أمره ، و على ما يبلغه من حاجاته نفسه إلا بغيره، و إنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها و إخبارهم عنها ، و استعمالهم إياها ، وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم و تجليها للعقل ، و تجعل الخفي منها ظاهرا و الغائب شاهدا و هي التي تخلص المتلبس ، و تحل المنعقد (...) و على قدر و وضوح الدلالة و صواب الإشارة و حسب الاختصار ، و دقة المدخل ، يكون إظهار المعنى ، و كلما كانت الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله عزوجل يمدحه و يدعو إليه و يحث عليه و بذلك نطق القرآن و بذلك تفاخرت العرب و تفاضلت أصناف العجم »(1)
و كذلك في غير ما قدمنا من نصوص كثيرا ما نجدا "الجاحظ" حريصا على هذه الثنائية بين اللفظ و المعنى ، أو بين المعنى و اللفظ أو الشكل الخارجي و بين المعنى أو المحتوى أو الداخلي فيقول :
»و أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيرة ، ومعناه في ظاهر لفظه ، فإذا كان المعنى شريفا و اللفظ بليغا و كان صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه ، و منزها عن الإختلال مصونا عن التكليف صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة »(2).
و إصدار "الجاحظ" على أن ينعث المعنى بالشرف إنما يتضمن إحساسه بأن من المعاني ما هو شريف و منها ما هو غير شريف . و أن ليس كل معنى أو كل فكرة أو كل موضوع يصلح أن يكون موضوع تأليف أو نظم أو صياغة و هذه أيضا إشارة من الناقد الكبير تضيف إلى جملة ما سبق جانبا من جوانب تحديده الصارم للمعنى بعيدا عن لفظه ، كما نؤكد أن اللفظ كسوة المعاني .
ه - المطابقة بين اللفظ و المعنى:
و هذا موضوع آخر مهم في كتاب (البيان و التبيين) و قضية بلاغية شغلت بال" الجاحظ" و معاصريه ، و على الرغم من هذا فإن كتب النقد و البلاغة لم تحفظ على ما يبدو من هذه المطابقة إلا تلك الصورة البديعة المعروفة.
و المطابقة في البيان و التبيين من الموضوعات التي دخلتها الرواية و تناقلتها الأشعار ، و تناولها الأدباء بالنقد و التحليل .
و المتتبع لمفهوم التطبيق عند "الجاحظ" » يلاحظ انه يتجاوز إطار اللفظ و المعنى ليشمل ميادين أخرى تقع تحت المشاهدة و التجربة اليومية من ذلك ما جاء في باب عقده للمطابقة سماه باب من الكلام المحذوف ، نختار منه هذا البيت الذي علق عليه "الجاحظ" بقوله: و يقع في باب التطبيق
[ لأنتم ببيع اللحم اعلم منكم بضرب السيوف المرهفات القواطع ]
فالشاعر يهجو خصومه بأنهم لا يحسنون تطبيق السيوف و لا يعرفون من التطبيق إلا الجزارة ، فأين هم إذن من تطبيق الكلام » .(1)
مع أن" الجاحظ" يعتقد أن أصل هذا المفهوم اخذ من حرفة الجزار الحاذق الذي يحسن إصابة المفصل و لا يتردد عند قطع اللحم في البحث عن ملتقى العظميين.
و يقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز : فلان يفل المحز و يصيب المفصل و أخدوا ذلك من صفة الجزار الحاذق فجعلوه للمصيب الموجز .
و يورد أشعارا في هذا المعنى منها الراعي يقول:
[فطبقن عرض الق ثم جز عنه كما طبقت في العظم مدية جازر].
و ينقل الرواة هذا المفهوم إلى البلاغة و يعطونه معنى فنيا يلطف على كثير من الناس في ذلك الوقت ، فيقول الأصمعي إن البليغ هو من طبق المفصل و أغناك عن المفسر ، و يضطر "الجاحظ" التفسير الكلام بأمثلة جاء فيها: و صف أعرابي أعربيا بالا يجاز و الإصابة فقال : كان و الله يضع الهناء مواضع النقب.
ذلك أن إصابة عين المعنى باللفظ الموجز في هذه النظرية أشبه من جهة أخرى بإصابة الطبيب الداء الذي اكتشفه في المريض بالدواء اللائق الذي يأتي بالشفاء.
و تشبيه إصابة المعاني بعملية الطبيب و المداواة فكرة جدية في ذهن "الجاحظ" و قد أشار إلى العلاقة التي بينهما في الحيوان فقال » و ما كان أحوجنا و أحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين و إلى أن يكون المتكلمون علماء ، فان الطب لو كان من نتائج حذاق المتكلمين و من تلقيحهم لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجده »(1)
لأن ا"لجاحظ "المتكلم العالم يرى أن أدواء الكلام ، و أدواء الأمراض لابد أن ترجع إلى نفس الأصل هو الطبائع التي في الإنسان ، ومن ثم خضوعها لذات القوانين الطبيعية التي لا تقبل خللا ولا اضطرابا.
و المطابقة اللغوية عند"الجاحظ" نوعان : مطابقة لا يشترط فيها توازي بين اللفظ و المعنى ، بل غالبا ما تكون باختصار اللفظ و تمديد المعنى (و الأفضل إن نسميها عدم مطابقة).
و مطابقة يكون اللفظ فيها متحدا مع المعنى اتحادا كاملا يجعل من اللفظ و المعنى شيئا واحدا و يعبر عنها حينئذ بمفهوم المشاكلة :
و يقصد بالمشاكلة المطابقة الضرورية التي تجمع بين اللفظ و المعنى سواء في حالة انفرادها كقوله» و السخيف من الألفاظ مشاكل للسخيف من المعاني، أو في حالة ورودهما في تراكيب أو جمل للتخاطب كقوله: ومتى شاكل ابقاك الله ذلك اللفظ معناه و أعرب عن فحواه و كان لتلك الحال و فقا و لذلك القدر لفقا (...) كان قمنا (...) بانتفاع السمع (...) وصار مادة للعالم الرئيس و رياضة للمتعلم الريص»(1).
و يمكن تصنيف المطابقة من جهة أخرى في أربعة أنواع :
- مطابقة بين اللفظ و المعنى.
- مطابقة بين الكلمة و الكلمة.
- مطابقة بين الكلام و المستمع.
- مطابقة بين الكلام و المستمع و بين مقتض الحال.
و نجد المطابقة الأولى و هي مطابقة اللفظ للمعنى في هذا المستوى مطابقة أمينة. هي في نظر "الجاحظ" ضرورة طبيعية و دينية معا ، يجب على المطبق احترامها كما هي ، و الأذعان إليها كما جاءت ، لأن الفرق بين المطابقة و عدمها ما هي إلا الفرق بين الحق و الباطل و الصدق و الكذب.
و لذلك نجد أن "الجاحظ" يعلق على هذا الشطر : »فطبق المفصل و اغنم طيبا بقوله: يقول حكم(....)بكلمة فصل و بأمر قاطع فتفصل بها بين الحق و الباطل كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظميين ».(2)
و التطبيق في هذه الدرجة هو نوع من إقامة الحدود و لذلك تكثر فيه عبارات ( قضاء ) و ( مقادير ) و (أقسام ) و غيرها كقوله : فإن حق المعنى الشريف اللفظ و من حقهما أن تصونهما عما يفسدهما و يهجنهما و عما تعود من أجله أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس اضهارهما و ترتهن نفسك بملابستهما و قضاء حقهما و قوله : وتجد اللفظة لم تقع في موقعها و لم تصر إلى قرارها و إلى حقها من إمكانهما المقسومة .
غير أن اختيار المتكلم في المطابقة بين اللفظ و المعنى يتم في اتجاهين مختلفين :
الاتجاه الأول :
الانطلاق من اللفظ نحو المعنى ، أي إطلاق لفظ و إيراده معنى أوسع منه ، و يسمى طريقة الفصل أو المثل الفتق أعني طريقة المجاز في أوسع معانيه بما ذلك الكناية و الاستعارة و غيرها.
الإتجاه الثاني :
الانطلاق من المعنى نحو اللفظ و تسمى طريقة الوصل أو الشاهد أو الرتق أعني طريقة التعبير الصريح و التركيب اللفظ المتعمد على القوانين النحوية .
أولا : الانطلاق من اللفظ نحو المعنى أو طريقة الفصل:
كنا لاحظنا من خلال بعض الأمثلة أن "الجاحظ" يقصد بعبارة ً طبق المفصل ً إدراك المعاني الكثيرة باللفظ القليل ، و هاهو ذا نص آ خر يفسر لنا أكثر ما يقصد بالفصل يقول » وهم ( أي العرب ) يمدحون الحذق و الرفق و التخلص إلى حبات القلوب و إلى إصابة عيون المعاني ، و يقولون أصاب الهدف إذا أصاب الحق في الجملة ، و يقولون : أصاب الهدف إذا كان أجود إصابة من الأول ، فإن قالوا رمي فأصاب الغرة و أصاب عين القرطاس فهو الذي ليس فوقه أحد ، و من ذالك قولهم: فلان يفل الحز ، و يصيب المفصل و يضع الهناء مواضع النقب » (1) وهذا النص يمكن اعتباره تلخيصا لنظرية الفصل عنده .
فطريقة الفصل إذن هي طريقة اختصار اللفظ لإدراك المعنى فالمتكلم ينطلق من اللفظ و لكن بما أن غايته الأخيرة هي المعنى فإن أحسن الوسائل لبلوغه هي أكثير خفة و إيجازا.
و طريقة الفصل هذه شبيهة إلى حد بعيد بطريقة الاستقراء المستعملة في علم المنطق فاللفظ شبيه في هذه الحالة بالجملة الصغيرة التي ينطلق منها لإدراك المعاني أو الجملة الكبيرة إي الانطلاق من الخاص نحو العام .
و إذا كان الفصل شبيها بالاستقراء فإن الوصل شبيه بالاستنتاج اعني الانطلاق من لعلم نحو الخاص و من المعنى نحو اللفظ ، فتصبح الألفاظ هي المقصودة لذاتها.
ثانيا : طريقة الوصل أو الانطلاق من المعنى نحو اللفظ:
طريقة الوصل غير موضحة في (البيان و التبيين) بذات الكيفية التي و ضع بها" الجاحظ" طريقة الفصل لأن "الجاحظ" إنما سخر كتابه للدفاع عن الطريقة الأولى التي تمثل مذهب العرب ، و قد أشار إل هذا عند كلامه عن الخطب الطوال عند العرب فقال : ووجدنا عدد القصار أكثير ورواة العلم إلى حفظها أسرع ، و قد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الإختيار ، ووفينا حظه من التميز ، و نرجوا أن لا نكون قصرنا في ذلك لكن يمكن استنتاج ما يقصد بهذه الطريقة من خلال بعض النصوص كقوله: »و قال مرة ما رأيت أحدا كان لا يحتبس و لا يتوقف و لا يتلجلج و لا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعيد و لا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعص عليه طلبه ، أشد اقتدارا ، و لا أقل تكلفا ، من "جعفر بن يحي" .
و "الجاحظ" يسمي هذه الطريقة أحيانا طريقة تلخيص المعاني كقوله : و يضاف إلي باب الخطب و إلى القول في تخليص المعاني و الخروج من الأمر المشتبه بغيره" قول حسان بن ثابت الأنصاري".
[ يصل القول بالبيان و ذو الرأي من القوم ضالع مكعوم] »(1)
و الإنطلاق من المعنى نحو اللفظ إنما هو تقديم للأخير على الأول.خلاف ما قد يتوهم ، لأن المتكلم في هذه الحالة غايته المنشودة هي اللفظ.
المبحث الثالث: نظرية المعنى عند قدامة بن جعفر:
تهدف هذه الدراسة إلى الوقوف على نظرية "قدامة بن جعفر" ، و هي نظرية سبق و أن تناولها" الجاحظ" من قبل ، على أن هده القضية عند"قدامة "ترتبط بنظرته إلى الشعر ، «فهو قول ، مقفى ، دال على معنى ، و تتحدد و مسألة الجودة فيه ، أو الرداءة من خلال علاقات ثنائية متبادلة بين هذه الأجزاء ، و يصبح الشعر صناعة من الصناعات ينضر إليها من زاوية الإجادة فيها . أما المعاني في الشعر فهي المادة الموضوعة ، أو الهيولى و تتحدد قيمتها من خلال الصورة التي تبرز فيها ، و يشكل التناسب بين أجزاء الشعر بعدا من أبعاد هذه الصورة » (1) ، و إذا كان المعنى ركنا رئيسيا من أركان الشعر فإن التناسب فيه يتحقق من خلال صحة التفسير و التقسيم ، و قد عول الباحث ، للوصول إلى هذه النتائج ، على شواهد نقدية مما قاله "قدامة" .
كما لم يكون ينظر إلى المعنى الشعري في الدراسات النقدية القديمة بوصفه مباينا لأنماط المعاني التي تقديمها العلوم الأخرى ، بل ظلت هذه النظرية تنظر إلى المعنى بوصفه جزءا من المعارف العامة التي يمكن أن تفيدها العلوم الأخرى ، و مع أن عددا من النقاد العرب القدماء ، "كالفرابي" ، و" الكندي" ، و غيرهما ، ممن أفادوا من دراساتهم الفلسفة ، قد سعوا إلى تأكيد أن الشعر يمكن أن يقدم حقيقة تختلف – بنوعها – عن الحقيقة التي تقدمها ألفاظ الفنون الأخرى فإن مسألة المعنى عندهم ظلت مرتبطة بالجانب الحكمي ، أو الأغراض المدنية التي يفيدها الشعر و قد سعى "قدامة" ، مخلصا في سعيه ، إلى إقامة علم خاص بالشعر يميزه من غيره من الفنون الأخرى ، لكن سعيه هدا ظل مقترنا بالمنطق العقلي الذي لم يتمكن "قدامة بن جعفر" من مغادرته ، و لهذا تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف على هذه القضية بأبعادها المختلفة ، و لا سيما أن "قدامة" كان واحدا من الفلاسفة الفضلاء الدين حاول وان يطبقوا مقاييس المنطق على الشعر .
ليس من شك في أن الثقافة اليونانية قد تركت تأثيرها في "قدامة بن جعفر" ، و إذ وصفه صاحب الفهرست بأنه أحد الفلاسفة الفضلاء ، وقد فسر بعض من المقالة الأولى من السماع الطبيعي [ سمع الكيان] لأرسطو ، وله كتاب في صناعة الجدل . وبحكم هذه الثقافة الفلسفية أنجاز إلى المعنى ، و هذا ألف كتابه [ الرد على ابن المعتز فيها عاب به أبا تمام ]، وهكذا، فإن نظرية المعنى – عنده – قد تكاملت عدتها و أسبابها ، و اقترنت النظرية به اقترانها ب" وليم راي " في النقد الأوربي الحديث.
كان" قدامة" يحس أن ثمة معضلة نقدية في زمنه ، إذ خلت الساحة النقدية من الناقد الحق الذي يميز جيد الشعر من رديئه ، و انصرف هم النقاد إلى أمور شكلية لا علاقة لها بجوهر النقد ، مثلما إنعطف بقيتهم على المعاني التي يدل عليها الشعر ، وهذه الجوانب – في تصور" قدامة" – لا تشكل جوهر الشعر ، لأن غريب اللغة ، و النحو و أغراض المعاني ، مشتركة بين الشعر و النثر ، أما علم العروض و القوافي و إن »خصا الشعر وحده فليست الضرورة داعية إليهما لسهولة و جودهما في طباع أكثر الناس من غير تعلم »(1)و بهذه المحاولة كان قدامة يسعى إلى وضع علم يميز جيد الشعر من رديئة ، و بذلك كان يسعى إلى تحقيق ما بحث عنه "الجاحظ" بقوله » طلبت علم الشعر عند الأصمي فوجدته لا يعرف إلا غربيه ، فرجعت إلى الأخفش فألفيته لا يتقن إلا إعرابه ، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقد إلا ما أتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام ، و الإنسان» (2)
و كلمة علم عند" قدامة" تشير إلى أن الشعر يتميز بخصوصية ذاتية من غيره من الصناعات و المهن ، و ينبغي أن ينظر إلى الشعر من هذه الزاوية ، مثلما يجب أن يتجاوز الانطباعات الذاتية المتسرعة عن الشعر ليكون ثمة تصور متكامل ، و متجانس لفهم الشعر ، و لما كان العلم هو [ حصول صورة الشيء فنصل إلى معناه أو ندرك خصائصه الفارقة ] فإن الشعر يتكون بدوره من كليات ثابتة و راسخة ، وجزئيات متصلة بها ، تقوم على أسس ، و علاقات ثابتة ، تكون ما يمكن أن نسميه ( علم الشعر ) و أول خطوة لتحقيق هدا المفهوم الذي قدمه الشعر بأنه قول ، موزون ، مقفى ، يدل على معنى ، و هذا التعريف – على مستوى المنطقي الذي فكر فيه قدامة – جامع ، مانع ، للمادة الشعرية . فهو يقوم على أربعة أركان ، ولكنها لا تملك في ذاتها خاصية الجودة أو الرداءة ، بل تتحقق جودتها أو رداءتها من خلال علاقات مع بعضها البعض ، فاللفظ يأتلف مع المعنى مثلما يأتلف مع الوزن و المعنى يأتلف مع الوزن مثلما يأتلف مع القافية ، و تصبح عناصر الشعر البسيطة و المركبة ثمانية ، وهذه العناصر ، بسيطة ، كانت أو مركبة قد تكون جيدة ، أو رديئة ، و لهذا كانت هذه الوحدات في حالتي الإيجاب و السلب ست عشرة.
و لا يخفى أن "قدامة" قد أشار إلى أهمية القافية حين حد الشعر ، ولكنه جعل القافية عامة لا خاصة بالشعر العربي ، وهو أمر مخالف لما ذهب إليه ألغرابي معاصره ، حينما جعل القافية- في الأغلب الأعم – خاصة بالشعر العربي ، إذ يقول :»إن للعرب من العناية بنهايات الأبيات التي في الشعر أكثر بكثير مما لدى الأمم التي عرفنا أشعارهم »(1). و لا يحتاط الفارابي – شأن ابن سينا بعده – حين قال » الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية ، و عند العرب مقفاة » (2)على أن مسألة القافية عند" القدامة" كانت محيرة له ، فهي ركن اللفظ أو جزء من القول ، و لا يمكن إفرادها ، و لكنه- على سبيل التسامح- وجد إنها تأتلف مع المعنى.
و لا يخفى أن هذا الفهم المنطقي للشعر عند "قدامة" مابين لما ذهب إليه أرسطو، فالشعر- عنده- نشاط تخيلي ، يختلف عم سائر الأنشطة ، و الفنون في الحياة ، و أن المحاكاة الشعرية تمنح سرورا يتناسب مع نوعيته الخاصة و يعني هذا الفهم أن الشعر له خصوصية نوعية تميزه من غيره من الفنون ، ومهما يكن من أمر فإن هذا الحد الذي قدمه قامة للشعر لا يميز الشعر الجيد من الشعر الرديء ، ولكن الذي يميز ذلك ، هو إتقان الصناعة الشعرية ، فإذا كانت كل صناعة تسعى إلى غاية الجودة ، أو قد تنتهي إلى الرداءة ، فإن الصناعة الشعرية شأنها شأن الصناعات الأخرى ، قد تصل إلى غاية الجودة ، أو تنزل إلى غاية الرداءة ، فجميع ما يؤلف و يصنع ، ويعمل، على سبيل الصناعات و المهن فله طرفان : أحدهما غاية الجودة و الآخر غاية الرداءة ، وحدود بينهما تسمى وسائط ، وكان كل قاصد لشيء من ذلك ، فإنما يقصد الطرف الأجود ، فإن كان معه من القوة في الصناعة ما يبلغه إياه سمي حاذقا تام الحذق ، وإن قصر عن ذلك نزل له اسم بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية و البعد عنها ، و لا تختلف كثيرا كلمة صناعة عن المعنى الذي تؤديه كلمة العلم ، فإذا كان العلم يتناول الجانب النظري للشيء ، فإن الصناعة تقف كثيرا عند الجانب العلمي له ، فالصناعة هي » العلم المتعلق بكيفية العمل »(1).

أ- نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى :
من أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى :
1- المساواة : » و هو أن يكون اللفظ مساويا للمعنى حتى لا يزيد عليه و لا ينقص عنه ، وهذه هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلا ، فقال كانت ألفاظه قوالب لمعانيه أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر و ذلك مثل قول "امرئ القيس":
[ فإن تكتموا الداء لا تخفيه وإن تبعثوا الحرب لا نفقد ]
[ و إن تقتلونا نقتلكم و إن تقصدوا الدم لا تنصد]
و مثل قول زهير:
[ ومهما يكن عندا مرئ من خليفة وإن خالاها تخفي على الناس تعلم ]
ومثل قوله:
[ إذا أنت لم ترحل عن الجهل و الحنا أصبت حليما أو أصابك جاهل ] »(1)
2- الإشارة :»و هو أن يكون اللفظ القليل مشتملا على معان كثيرة بإيماء إليها ، أو لمحة تدل عليها كما قال بعضهم و قد وصف البلاغة فقال :هي لمحة دالة ».(2)
ومثل ذلك قول امرئ القيس:
[فإن تهلك شنوءة أو تبدل فسيري إن في غسان خالا].
[ لعزهم عززت وإن يذلوا فذلهم أنالك ما أنالا ].
فبين هذا الشعر على أن ألفاظه مع قصرها قد أشيربها إلى معان طوال، فمن ذلك قوله ً تهلك أو تبدل ً. ومنه قوله ً إن في غسان خالا ً ومنه ما تحته معان كثيرة وشرح وهو قوله ً أنا لك ما أنالا ً.
3- الإرداف :»وهو أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى ، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفة و تابع له ، فإن دل على التابع أبان عن المتبوع»(1) بمنزلة قول الشاعر :
[ بعيدة مهوى القرط إما لنوفل أبوها وإما عبد شمس فها شم]
وإنما أراد الشاعر أن يصف طول الجيد فلم يذكره بلفظه الخاص به بل أتى بمعنى هو تلعب لطول الجيد ، وهو بعد مهوى القط.
ومثله قول امرئ القيس:
[ ويضحي فتية المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضيل]
وإنما أراد "امرؤ القيس" أن يذكر ترفه هذه المرأة و أن لها من يكفيها فقال: ً نؤوم الضحى ً أن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها و كذلك سائر البيت أي هي لا تنتطق لتخدم و لكنها في بيتها متفضلة و معنى عن هذا البيت معنى بعد كذلك قول:
[ وقد أغتدي و الطير في وكناتها بمتجرد قيد الأوابد هيكل ].
فإن أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة و انه جواد فلم يتكلم باللفظ بعينه ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له.
ب- نعت ائتلاف المعنى والوزن :
»هو أن تكون المعاني تامة مستوفاة لم تضطر بإقامة الوزن إلى نقصها عن الواجب ولا إلى الزيادة فيها عليه، و أن تكون المعاني أيضا مواجهة للغرض لم تمتنع عن ذلك و تعدل منه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته »(1) والسبب في تركنا أن نأتي لهذا الجنس بأمثله من الشعر هو ما يجب ذكره من أمثلة عيوب هذا الباب في جملة ما سنذكره من عيوب للشعر .
ج-نعت ائتلاف القافية:
هو مع ما يدل عليه سائر البيت أن تكون القافية متعلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له و ملائمة لما مر فيه.
فمن أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر معنى البيت:
1- التو شيح : »وهو أن يكون أول البيت شاهدا بقافيته ومعناها متعلق به حتى إن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها إذا سمع أول البيت عرف آخره و بانت له قافية ».(2)
مثال ذلك قول الراعي :
[ و إن وزن الحصى فوزنت قومي و جدت حصى صريتهم رزينا]
فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت استخرج منها لفظة قافيته ، لأنه يعلم وزن الحصى سيأتي بعده رزين لعلتين إحداهما : أن نظام المعنى يقتضيه لأن الذي يفاخره بزجاجة الحصى يلزمه أن يقول في حصاه إنه رزين.
– الإيغال : وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير إن يكون للقافية في ما ذكره صنع ثم يأتي بها لحاجة الشعر فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره من المعنى في البيت .
كمل قال" امرئ القيس ":
[ كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحنا الجزع الذي لم يثقب ]
فقد أتى امرؤ القيس على التشبيه كاملا قبل القافية ، وذلك أن عيون الوحش شبيهة به ثم لما جاء بالقافية أو غل بها الوصف و وكده و هو قول « الذي لم يثقب » فإن عيون الوحش غير مثقبة و هي بالجزع الذي لم أدخل غي التشبيه.
د - البعد الفلسفي للنظرية :
و كلمة الصناعة عند "قدامة" ، وغيره من النقاد تتصل اتصالا و وثيقا بفلسفة الهيولى، و الصورة عند الفلاسفة، فلقد أشار شراح "أرسطو" من الفلاسفة المسلمين إلى أن كل شيء له هيولى ، وصورة ، و العلاقة بينهما وثيقة، فلا يمكن تصور هيولى بلا صورة ، أو صورة بلا هيولى، على أن المادة الواحدة يمكن أن تتشكل بأشكال مختلفة ، فالخشب لدى النجار لا قيمة ذاتية له إلا من خلال الأشكال التي يتشكل بها،كالباب ، و الكرسي ، والخزانة ، وكذلك » كل مصنوع لابد له من هيولى وصورة يركب منها »(1) ، ولقد أشار" ابن سينا " بعد "قدامة" إلى أن كل جسم طبيعي فهو متقوم الذات من جزأين ، أحدهما يقوم فيه مقام الخشب من السرير ،ويقال له هيولى ،ومادة ، والآخر يقوم مقام السرير ، فالمادة عند "ابن سينا " جزء لا يتجزءا من قوام الشيء، والصورة ماثلة بالقوة في هذه المادة و الصورة » هي ما يجعل المادة التي
بالقوة شيئا بالفعل »(2)ولهذا فإن الصورة لا يمكن أن توجد مفارقة للمادة.
فهيولى الشيء حاملة لصورته بالضرورة، ولهذا فإن جوهر الأشياء مثل في هدا المدرك الحسي ، وفي ضوء هذه الفلسفة الأرسطية رأى قدامة [أن المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة ، والشعر فيها كالصورة كما يوجد في كل صناعة من أنه لابد فيها من شيء ، موضوع يقبل تأثير الصورة منها ، مثل الخشب للنجارة و الفضة للصياغة ] وعلى هذا الأساس لا ينبغي أن يحكم على المعنى من جهة رفعته أو ضعته ، أو ما فيه من الرفث و النزاهة ، والبذخ و القناعة ، وغير ذلك من المعاني الحميدة و الدميمة ولكن يحكم عليه من خلال بلوغه التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة ، هذه المعاني الشعرية أو الأفكار المرتبطة بالصناعة الشعرية و بدرجة الإجادة فيها ، ولكن هذه الأفكار منعزلة تماما عن الارتباطات النفسية القائمة حولها ، وهي ارتباطات تدرك بالعقل في تصور "قدامة" ، و لا بالدوق ، فإن كان" امرؤ القيس "قد وصف نفسه بسمو الهمة ، وقلة الرضى بدنيء المعيشة في قوله :
[ فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني و لم أطلب قليل من المال ]
[ ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ]

فإنه قد وصف نفسه بالقناعة ، والاكتفاء بالقليل من الأفط و السمن في قوله:
[ فتملأ بيتنا أقطا وسمنا و حسبك من غنى شبع و ريًُ ]
و ليس هدا تناقضا عند" قدامة "، و لا يوصف بالكذب ، لأن الشاعر « ليس يوصف بأن يكون صادقا ، بل إنما يراد منه ، إذا أخذ في معنى من المعاني كائنا ما كان أ ن يجيده في وقته الحاضر ، لا أ ن يطلب بأن لا ينسخ ما قاله في وقت آخر» (1). ولا يختلف هذا الفهم الذي قال به "قدامة "عما قاله معاصره "الفرابي" من حيث جلالها ، وهوانها ، أو صدقها ، أو كذبها ، ولكن من خلال الشكل أو الطريقة التي تبرز فيها ، وبناءا على هذا الفهم ، فإن العلة الصورية أقوى العلل وأهمها ، وهي – عند الفلاسفة – تعني حسن التأليف و التخيل ، لكن التخيل عند الفارابي قياس منطقي كاذب ، و لهذا يقول فيه إنه نوع من أنواع السولوجسموس [ القياس ] أو ما يتبعه من استقراء و مثال و فراسة ، ولهذا كان للتخيل في شعر قيمة العلم في البرهان ، و الظن في الجدل ،
و الإقناع في الخطابة على أن كلمة [ الكذب ] عند الفارابي ليست تهوينا لقيمة الشعر ، وهو أمر أساء "قدامة" فهمه حين قال : »إن الغلو عندي أجود المذهبين ، و هو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر و الشعراء قديما ، و قد بلغني عن بعضهم أنه قال : أحسن الشعر أكذبه ، وكذلك يرى الفلاسفة اليونانيون في الشعر على مذهب لغتهم » .(1)
ه _ صناعة الشعر :
وقد قادت فلسفة الهيولى و الصورة "قدامة بن جعفر" ، وغيره من الفلاسفة المسلمين ، إلى النظر إلى الشعر بوصفه صناعة من الصناعات ، لكنها صناعة عقلية واضحة لا ترتد إلى حكم الدوق الجمالي،بل ترتد إلى حكم عقلاني ، منطقي، و قد يتوقف هدا الحكم عند نوع من التناسب القائم في الصناعة ، لكن هذا التناسب لا يغادر مبدأ الانسجام العقلي.
لقد أشار ا"لفارابي"-معاصر قدامة-إلى أن ثمة تشابها بين صناعة الشعر، وصناعة التزويق » فكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ،متفقان في صورتها ،وأفعالها وأغراضها »(2)، مثلها أشار "ابن طباطبا العلوي" معاصره أيضا إلى هذه المسألة فقد شبه صنعة الشعر بصنعة النقاش [ الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه ، ويشيع كل صنيع منهما حثي يتضاعف حسنه في العيان،وكناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها،والثمين الرائق ، ولا شين عقوده بأن يتفاوت بين جواهرها في نظمها ، و تنسيقها]، وقد ترسخ هدا الفهم عند "عبد القاهر الجرجاني"،ليصبح النظم الصناعة من الصناعات «فكما لا تكون الفضة ، أو الذهب ،خاتما، وأسوارا،أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسها ، ولكن بما يحدث فيها من الصورة كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء و أفعال وحروف شعرا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو بإحكامه».(1)
وبهذا الفهم يصبح الشعر صناعة من الصناعات ،وهي صناعة بمعزل تماما عم الارتباطات النفسية،وما تثيره من أحاسيس جمالية،فهي وليدة العقل والمنطق،والدوق الجمالي فيها إدراك عقلي منطقي،يقوم على نسب متجانسة في الصناعة كفن الأرابيسك تماما، ومادة هده الصناعة لا تبرز قيمتها الجمالية إلا من خلال الصورة التي تظهر فيها ،في صورة تعكس نسبا رياضية متجانسة،وتصبح الصياغة مجرد حاشية ، أو زينة ليتلك المادة ،وهي مقولة لا تختلف كثيرا عما قاله ا"لجاحظ" ، بل هي تفسير وتوضيح لها ، ولكن هل يمكن النظر إلى المعنى الشعري نظرتنا إلى الصناعة الأخرى ؟ الصناعة تتعامل مع مادة صماء ،خيطا كان أم حجزا ، لونا كان أم صوتا،الشعر مادته الكلمة ، والكلمة تلتبس بالمشاعر و العواطف وهي لا تنضبط انضباط المادة الصماء،وهو خطأ وقع فيه اغلب نقادنا العرب القدماء ، الصورة حاشية الهيولى ، و الألفاظ حاشية للمعنى ، زينة له ، والصناعة الشعرية لا قيمة لها بذاتها ، فلا تعدو كونها زينة للمعنى.

و - الإلتفات في سياق المعنى.
وهذا الاتجاه يهتم بالالتفات من حيث ارتباطه بنسق المعنى ،حين يقتضي (أي المعنى)تتبعا لإبعاده ، فإذا ورد ليس من هذه الأبعاد،ولكنه متصل بها بصورة من الصور سمي ( إلتفاتا) وورد الالتفات في سياق المعنى لا يمنع من أن تكون الضمائر رموزا دالة ، وكذلك تغير صورة الفعل من ماض إلى مستقبل مثلا.
كما لا يغير كثيرا في أغراض الالتفات التي أكد عليها " السكاكي" و" العلوي" و"ابن الأثير" و غيرهم ومن العلماء الذين تناولوا هدا الاتجاه نجد "قدامة ابن جعفر" ،حيث أدرك" قدامة "أن للالتفات قيمة تتجاوز الرموز التعبيرية سواء ما يتصل بالضمائر، أو بصورة الأفعال و ما يتصل بها من تغير الدلالات حين يقع واحد بدلا من الأخر ، ولهذا عده من ( نعوت المعاني ).
وقال فيه »هو أن يكون الشاعر آخذا في المعنى ، فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادا يرد عليه قوله ، أو ساءلا يسأله عن سببه، فيعود راجعا إلى ما قدمه ،فإما أن يذكر سببه ، أو يحل الشك فيه ».(1)
وحين نقرأ عبارة " قدامة " نجد أنفسنا في مواجهة ملمح ثقافي معاصر، وهو ( الحوار الداخلي ) ، الذي يعني أن ثمة صورة تبين للقائل : أحدهما: هو صوته المسموع ، و الآخر : هو صوته الخفي ، الذي يجادله ، ويرد عليه ، أو يسائله، ومن ثم لا يسمعه غيره ، فتحدث المفاجأة الجمالية التي تدهش السامع لانكسار النسق التعبيري في سمعه، و الخروج على المعيار، الذي جرت عليه اللغة في التعبير عن المعنى ،و دهشة السامع ، هي ما حرص عليه كل من تحدث عن الظاهرة ( الالتفات ) من البلاغيين القدامى .
و يسد شهيد ( قدامة ) على رأيه بقول الرماح بين ميادة.

»فلا صرمه ليما يبدو – و في اليأس راحة – و لا وصلة يبدو لنا فنكارمه ، فالسياق يتحدث عن الصرمو الوصل ، وهي أمران متقابلان ، يثيران شعوريين متقابلين و تقابل الشعور كانت نتيجة تقابل الألفاظ ، و تقابل دلالتهما معا . غير لأن الشاعر حين ذكر الصرم ألتفت إلى أكره النفسي ،فقوله ً و في اليأس الراحة ً التفات إلى المعنى ، لتقدير ير أن معارضا يقول له ما تصنع بصرمة ؟ فقال : إن في اليأس الذي يعقب الصرم راحة »(1)
ولو تأملنا حديث الشاعر إلي السامع ، وحديثه إلي نفسه ، لا كتشفنا أنه يعاني معاناة فادحة ، حيث يتنازعه قطبا مرارة الصرم و الرغبة في اللقاء وهو يكتبها ( شعوريا و لا شعوريا ) و يعاند في البوح ، مؤكدا أن الاصرم و الوصل سواء ، غير أن الشكل التعبيري يحمل التوتر النفسي التي تؤكد مظاهر التفكك و الانقسام ، فالتأكد على المساواة بين الصرم و الوصل لأن كلاهما يريح – مغالطة تحول أن نائم الصدع بين صوت الباطن و الصوت الظاهر .
ز - أغراض الشعر عند "قدامة" :
على أن المعاني الشعرية عند ً قدامة ً تدور حول موضوعين اثنين : الإنسان و الطبيعة ، فليست أغراض الشعر من مدح ، وهجاء ، و رثاء ، ونسيبا إلا حديثا عن الإنسان ، أما غرضا التشبه و الوصف فهيما يتعلقان بالطبيعة.
على أن ًَ قدامة ً قد رد أغراض الشعر السابقة إلى فني المدح و الهجاء و يبدو أن "قدامة" في حديثه هذا قد تأثر بكتاب (فن الشعر) "لأرسطو" فإذا كان "أرسطو" قد تحدث عن فني التراجيديا و الكوميديا ، أو ماترجمه "أبو بشر متى بن يونس القنائي" بالمدح و الهجاء فإن "قدامة" قد فهم هذا من خلال ما أدته هذه الترجمة يقول ً أبو بشر ً » فقد يجب أن يكون هؤلاء إما أفاضل ، و إما أراذل ، وذلك أن عاداتهم ، و أخلاقهم بأجمعهم إنما الخلاف بينهما بالرذيلة و الفضيلة ، وبهذا الفصل بعينه الخلاف الذي للمديح عن الهجاء ». (1)
و لقد سهل ً الفارابي ً هذا الفهم ً لقدامة بن جعفر ً، فقد رأى أن أشعار اليونان تنحو نحو الأهاجي و المدائح ، والمفاخرات ، و الألغاز ، و المضحكات ، و الغزليات ، و الوصفيات .
و الفارق – عند ً قدامة ً بين المدح و الهجاء ،و أما الأول أصفاء للصفات الإيجابية على الممدوح ، و أما الثاني فسلب لهذا الصفات عنه ، و ينبغي أن يرتكز المدح و الهجاء ، على الجانب الجوهري في الإنسان ، و لا يتوقف عند الأمور العرضية ، لأن الشاعر يبحث عن الخصائص الجوهرية في الإنسان التي تخلق منه الأنموذج لأبناء جنسه ، ولهذا أعجب الخليفة ً عمر بن الخطاب ًبمدح زهير لأنه لم يكن يمدح الرجل إلا بما يكون الرجال.
ً فزهير ًركز على الصفات ة في الممدوح التي تجعل منه نموذجا لأبناء جنسه ، ويهدا حقق الإصابة في هذا المدح ، والإصابة التي تعني إصابة الماهية عند "قدامة "، أو الفلاسفة ، والماهية هي الجوهر الذي يبحث عنه الشاعر و الفيلسوف ، وهي ماهية لا تنفصل عن أمور العقل، والمألوف المعروف ، فما هينة الممدوح واحدة، وإصابتها أ، تضفي عليها جوانب معروفة عند الجميع » فإن هدا القول إذا فهم ، وعمل به ،منفعة عامة وهي العلم بأنه إذا كان الواجب أن لا يمدح الرجال إلا بما يكون لهم و فيهم (...)».(2)
ولكن ما الأمور الجوهرية التي يقوم عليها موضوعات المدح و الهجاء ؟، هنا يلجأ "قدامة" إلى ثقافته الفلسفية فقد جعل أفلاطون الفضائل الكبرى أربعا ، هي العقل ، و الشجاعة ، والعفة ، والعدل ، ولا يختلف هذا الفهم عما قاله أرسطو بأن الفضائل الأربعة هي الحكمة و الشجاعة و العفة و العدل فالحكمة – عند أرسطو – تناظر العقل عند أفلاطون ، وهذه الفضائل تركز على الخير ، والقيم الأخلاقية ، متمثلة بالسلوك الفاضل ، ويطالب "قدامة" الشاعر بأن يركز على هذه الفضائل في موضوعي المدح و الهجاء فمن أتى في مدحه بهذه الأربع كان مصيبا ، ومن مدح بغيرها كان مخطئا.
ح - التقسيمات المنطقية للمعنى:
لقد قدمنا القول – فيما سبق – أن ً قدامة ً كان يسعى إلى إقامة علم خاص بنقد الشعر ، وهو علم يستند إلى مقولات فلسفية ، ومنطقية ، تسعى إلى بناء منطق خاص بالشعر ، يميزه من غيره من الفنون الأخرى، وأقتضى هذا المنطق صحة التقسيم ، وصحة المقابلات ، وصحة التفسير ، مثلما أنكر هذا المنطق فساد التقسيم، وفساد المقابلات ، وفساد التفسير.
أما صحة التقسيم – على المستوى المنطقي – فهي أن يبتدئ الشاعر فيصنع أقساما »فيستوي فيها ، ولا يغادر قسما منها،كقول نصيب:
[فقال فريق القوم : لا، وفريقهم نعم ، وفريق قال : ويحك ما ندري]
فلم يدع هذا الشاعر قسما من أقسام النصبة التي يرى في الفرس إذا رئي عليها ألا أتى به »(1)
وواضح أن هذه نظرة منطقية ، عقلية، صارمة للمعنى الشعري،ولا ينكر أن صحة التقسيم قد تكون سببا في جودة الشعر،ولكنها ليست – بالضرورة – خالقة لهذه الجودة ، فقد يتوفر للبيت من الشعر ، صحة التقسيم ثم لا تميزه الصفة على مستوى الكلام العادي و بذلك سعى "قدامة " إلى تحكيم المنطق في شيء غير منطقي ، فالشعر لا ينضبط تماما بالقواعد المنطقية التي افترضها "قدامة" ، لأن منبعه العواطف و الأحاسيس . ويكون قدامة – بهذا الفهم – قد تحدث عن النموذج في المدح و الهجاء ، وهو نموذج يركز على الصفات الجوهرية في الممدوح، ماثلة في الفضائل الفلسفية و النفسية التي أشار إليها "قدامة"، و لا يعد الإغراق في وصف هذه الفضائل كذبا، لأن الشاعر يسعى إلى بلوغ الغاية في الوصف ، وخلق النموذج في الممدوح.
وفي ضوء هدا الفهم تصبح هذه الصفات هي الفضائل الحقيقة التي ينبغي أن يمدح الشاعر الممدوح أما الصفات الجسمية فهي عرضية زائلة و لهذا عاب ً عبد الملك بن مروان ً شعر "ابن قيس الرقيات ً عندما مدح بقوله:
«[ يأتلق التاج فوق مفرقه على حبين كأنه الذهب ]
ولكنه أثني على شعره الذي قاله في مدح " مصعب بن الزبير " :
[ إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهيه الظلماء ]».(1)
ولا شك في أن الفضائل عند "قدامة "و الفلاسفة الذين تأثير بهم تسعى إلى خلق الإنسان الكامل ، مثلما تسعى إلى تحقيق السعادة ، على أن الفضائل عند "أرسطو "وسط بين طرفين يقول » وأول ما ينبغي أن ينظر فيه أن الشيء الواحد بعينه من شأنه أن يصير إلى الزيادة و النقصان(....) .فإن الرياضة المفرطة و الناقصة مفسدة القوة ، وكذلك الأطعمة، والأشربة إذا كانت زائدة على ما ينبغي »(2) ومن الواضح أن صحة التقسيم التي أوردها "قدامة" على هذا النحو المنطقي، تخلق ما يمكن أن يسمى النموذج في الوصف،فالشعر لا ليدع شيئا فيها يصفه إلا ذكره ، فهو يصف الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط الأرض ، وليتقى هذا النموذج مفهوم الماهية عند "قدامة" ، والماهية تعني وصف الشيء ، على ما هو عليه ، أو الوقوف عند الصفات الثابتة و الراسخة في الشيء ،وعلى الأساس أصاب الشاعر في وصف هذه الفرس، وأصاب ماهيتها ، واستوفى جوانب وصفها ، وخلق منها صورة نموذجية متكاملة ، على أن هذه الصورة لا تفارق الصواب المنطقي الذي يرتضيه العقل، وهو صواب يغفل- تماما – ما يمكن أن يثيره الوصف من تداعيات عاطفية، أو انفعالات نفسية.
»وتتحقق صحة المعنى - أيضا – على المستوى المنطقي من خلال صحة المقابلات، وهي أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض ، أو المخالفة ، فيأتي في الموافق بما يوافق ، وفي المخالف بما يخالف، على الصحة »(1)، كقول بعضهم :
[ فوا عجبا كيف اتفقنا فناصح وفي،ومطوي على الغل غادرٌ ]
ولا يخفي أن صحة المقلات – على المستوى المنطقي الذي فكر فيه قدامة – تغفل – أيضا – الجوانب النفسية المتناقضة التي تعيش في الذات الإنسانية ، وقبول ً قدامة ً لها ليس اعترافا ضمنيا بهذه المشاعر المتناقضة ، ولكنه اعتراف منطقي بالتقابل ، المتضاد في هذه الذات ، ولا يختلف الأمر – أيضا – في نظرة قدامة إلى صحة التفسير،وهي أن [ يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه ، فإن ذكرها أتي بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد و لا ينقص ، مثل ً الفرزدق ً
[ لقد خنت قوما لو لجأت إليهم طريد دم أو حاملا ثقل مغرم ]
فلما كان هذا البيت محتاجا إلى تفسير قال :
[ لألفيت فيهم مطعما ومطاعنا وراءك شزرا بالوشيح المقوم ]
سر قوله [ حاملا ثقل مغرم ] بأن يلقي فيهم من يعطيه ، وفسر قوله طريدا ] بقوله [ إنه يلقي فيهم من يطاعن دونه ويحميه ] صحيح أن هذا التفسير أضفى جمالا على المعنى المتكامل في هذين البيتين ،ولكن قصور محاولته يتمثل في النظرة المنطقية إلى هذا الأمر ، فهناك تكامل في الشاعر النفسية للشاعر و لكنه تكامل لا يفرضه قيود المنطق والعقل ، بل تفرضه وحدة المشاعر الذاتية لدى الشاعر.
أما صحة التتميم عند "قدامة " فهي » أن يذكر الشاعر المعنى ، فلا يدع من الأحوال التي تتم به صحته ، وتكمل معها جودة شيئا إلا أتي به» (1) ، مثل قول "طرفة" :
[فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع و ديمة تهمي ]
فقول [ غير مفسدها ] إتمام لجودة ما قاله .
و لا يخفى أن هذا التتميم إكمال منطقي أكسب المعنى جودة فيها قاله "قدامة" ، ولكنه إكمال أغفل – عبره – ما يرافق هذا المعنى من مشاعر و أحاسيس عاطفية ، فعبارة [ غير مفسدها ] توضح العلاقة لنفسية بين الشاعر وهذه الديار ، بل هناك دعاء أسطوري يتخلل هذه العبارة ، ولكن قدامة – كغيره من النقاد العرب القدماء – يغفل تماما سيكولوجية الشاعر ، ولا يسمح لنفسه الخوض فيها، لأنها تربط، على المستوى النقدي، بين خالق القصيد ، وخالق الكون ومن هنا لم يتمكن عقل "قدامة " المنطقي أن يفهم موطن الجمال ، في قول الشاعر ً ذي الرمة ً:
[ ألا يا أسل مي على البلى ولا زال منهلا بجر عائلك القطر ]
»و يعيب ً قدامة ً هذا البيت لأن الشاعر لم يكمل جودة المعنى فيه ، فلم يأت بلفظه [ غير مفسدها ]
وفي ذلك: [ إفساد للدار التي دعا لها ، وهو أن تغرق بكثرة المطر ] »(2)
و الناظر المعنى في هذا البيت من زاوية فنية ، لا من زاوية منطقية –كما ذهب إلى ذلك قدامة – يرى أن هذا المعنى في البيت غاية في الجمال ، وان دعاء الشاعر على الدار بأن ينهل بجرعائها – القطر يحمل ظلالات نفسية ،و أسطورية تباين التطور المنطقي الذي ذهب إليه "قدامة".
وفي خاتمة هذه الدراسة ، يمكن القول إن "قدامة بن جعفر "قد سعى إلى إقامة علم خاص بالشعر يميزه من غيره من العلوم، فالشعر – عنده – يباين العلوم الأخرى بمادته التي يتقوم بها، فهو قول ،موزون ، مقفى دال على معنى ، ولكن هذه الأجزاء لا تملك في ذاتها خاصية الجودة ، أو الرداءة ، بل تتضح جودتها أو رداءتها من خلال علاقات بعضها يبعضها الأخر ، و يصبح الشعر –في ظل هذا الفهم صناعة من صناعات قد تصل إلى غاية الجودة ، أو تهبط إلى غاية الرداءة ، يبدو أن صناعة الشعر عند "قدامة" ، ترتد إلى ممارسة عقلية و واضحة وهي صناعة معزولة تماما عن الارتباطات النفسية التي يثيرها الشعر ، و خلط "قدامة" بذلك بين نظرته إلى الشعر و نظرته إلى صناعات أخرى ، فالصناعات الأخرى تتعامل مع المادة الصماء ، أما الشعر فما ذاته الكلمات و هي تلتبس بالمشاعر و الأحاسيس ، و إذا كان" قدامة "قد سعى إلى تمييز نقد الشعر من غيره من العلوم فانه قد ظل في إطار المنطق العقلي ، وحاول أن يطبق مقولات المنطق على الشعر ، و لئن كانت صناعة المنطق تسدد الفكر و توجهه إلى الصواب فإنها يمكن إن تكون أداة للشعر ، و بناء عليه تصبح مادة الشعر ،و معقولته هي المعاني ، و المعاني وليدة العقل و المنطقي هو الضابط لحركتها و إذا كان المنطق يفترض التوافق المنطقي بين الأشياء فإن -أيضا- يطلب مثل هذا التوافق بين المعاني ، و يتجلى ذلك من خلال صحة التفسير ، و التقسيم ، و المقابلة .
لقد سعى "قدامى" –جاهدا- إلى تمييز علم الشعر عن غيره من العلوم ، لكنه لم يفلح في تمييريه عن المنطق و هكذا كان كتاب قدمة كالمعلم المتزمت ، أو سير بروك رست ، من كان طويلا فلا بد أن يقص جزءا منه كي يستطيع أن ينام فيه .
المبحث الرابع: قضية المعنى "عند ابن رشيق القيرواني"
إن" ابن رشيق" كغيره من النقاد اهتم بقضية اللفظ و المعنى حيث « افرد لها بابا مستقلا في كتابة ( العمدة) و حرص على تناولها تناولا دقيقا و صاغها صياغة واضحة أعانه على فهمه لأراء سابقيه و معاصريه في هذه القضية ».(1)
و قد استهل "ابن رشيق" هذا الباب الذي أورده لهذه القضية بإعطاء رأيه فيها بكل وضوح يقول«اللفظ جسم و روحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم يضعف بضعفه ويقوى بقوته فإذا سلم المعنى و اختل بعد اللفظ كان نقصا للشعر و هجنة عليه كما يعرض لبعض الجسم من العرج و الشلل (...)
من غير أن تذهب الروح و كذلك إن ضعف المعنى و اختل بعضه كان اللفظ من ذلك أوفر كالذي يعرض للأجسام من المرضى بمرض الأرواح(...)فإن اختل المعنى كله و فسد بقي اللفظ مواتا لا فائدة فيه وإن كان حسن الطلاوة في السمع(....) و كذلك إن اختل اللفظ جملة و تلاشى لم يصح له معنى لأن لا نجد روحا في غير جسد البتة ».(2)
و بعد أن تحدث "ابن رشيق" عن قوة الارتباط باللفظ و المعنى و ضرورة تلازمها في العمل الإبداعي بين أن هناك من يفضل اللفظ على المعنى ومنه من يفضل المعنى على اللفظ فأورد مجموعة من الآراء مع اختلاف اتجاهاتها .
أولا: أنصار اللفظ وهو يقصد بأنصار اللفظ الذين يفضلونه و يقدمونه على المعنى حيث يقول « ثم للناس فيما بعد أراء و مذاهب : منهم من يؤثر اللفظ على المعنى فيجعله غايته و كده وهم فرق :
1)- قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنع كقول "بشار".
[إذا ما غضبنا غضبة مضريه هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما]
[إذا ما أغرقنا سيدا من قبيلة ذرى منبر صلى علينا وسلما]
وهذا النوع أدل على القوة و أشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار و كذلك ما مدح به الملوك يجب أن يكون من هذا النحت ».(1)
و يتضح من هذا النص أن "ابن رشيق" يرى بأن ألفاظ هده الأبيات فخمة و جزلة و المعاني قوية دون أن يتكلف الشاعر فيها أو يتصنع.
2- أصحاب جلبة و قعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر و يقصد بكل هذا أن هناك بعض الشعراء يعتنون كثيرا بلألفاظ يختارونها و ينقحونها و لكن معانيهم تختفي وسط المقعقعات اللفظية.
و قد عاب "ابن رشيق" على هذا الفريق اختيارهم للألفاظ الصاخبة دون فائدة تذكر للمعنى الذي تحمله هذه الألفاظ فالمعنى ضاع وسط هده القعقعة فيقول « وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المواد » (2)
ومن خلال ما سبق يتضح أن " ابن رشيق" نقد أنصار اللفظ من حيث الألفاظ الرنانة التي يستخدمونها و التي لا تحمل معنى ذا فائدة ومن حيث عدم مناسبتها للفرض الذي تقال فيه.
3- أما من ذهب إلى « سهولة اللفظ فعني بها واغتفر له فيها الركاكة و اللين المفرط كابي العتاهية و العباس بن الأحنف ومن تابعهما» .(3)
و هكذا يكون " ابن رشيق" قد بسط لنا هذه المذاهب و بالتالي فهو قد قسم أنصار اللفظ إلى ثلاثة أقسام :
ا- قسم يحبذ فخامة الكلام و جزالته بدون تصنع.
ب- قسم يفضل سهولة اللفظ و اللين و يرى الغزل هو أنسب الأغراض له.
ج- قسم صاحب جلبة و قعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر.
ثانيا: أنصار المعنى: إذا كان "ابن رشيق" قد تحدث عن أنصار اللفظ فإنه قد تحدث أيضا عن أنصار المعنى الذين يتبصرون له و يقدمونه على اللفظ حيث يقول «و منهم من يؤثر المعنى على اللفظ فيطلب صحته و لا يبالي حيث وقع من هجنه اللفظ و قبحه و خشونته كابن الرومي و أبي الطيب ومن شاكلتها ».(1)
نستشف من هذا النص أن هناك فريق يعمل على إجادة المعنى ولا يهمه اللفظ سواء كان فيه هجنه أو قبح أو خشونة.
وقد ذكر ًابن رشيق ً أيضا عدة نصوص توضح علاقة اللفظ بالمعنى ، و منها قول "ابن الوكيع" الذي مثل المعنى بالصورة و اللفظ بالكوة يقول: «فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشكالها و يليق بها من اللباس فقد بخس حقها و تضاءلت في عين مبصرها».(2)
وختم ً ابن رشيق ً كلامه عن قضية اللفظ والمعنى بقول "الثعالبي" «البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني ويخيط الألفاظ على قدود المعاني » (3) نلاحظ أن" ابن رشيق" قد اطلع على آراء غيره و استفاد منها ولكنه لم يفصح إلى أي الفريقين ينتمي لذلك اتهمه بعض النقاد و الباحثين بالغموض و عدم الوضوح.أما فيما يخص نظرة "ابن رشيق" إلى المعنى فنجد انه شبه المعنى بالروح و هذا يعد دليلا كافيا على ترجيح كفة المعنى على اللفظ بمقدار ما يرجع الروح على الجسد و نجد رأيه هذا متجليا في بعض النصوص منها قوله عن عناصر البيت الشعري« البيت من الشعر كالبيت من الأبنية قراره الطبع و سمكه الرواية و دعائمه العلم وبابه الدربة و ساكنه المعنى و الأخير في البيت غير مسكون».(1) و من خلال هذا النص يبدو أن المعنى يعد أهم عناصر البيت الشعري عند "ابن رشيق "و أيضا هناك نص نقله عن "علي "كرم الله وجهه قال لولا أن الكلام يعاد لنفد فشرحه "ابن رشيق" بقوله : « فليس احدنا أحق بالكلام من أحد و إنما السبق و الشرف معا في المعنى ». (2)
و نذكر أيضا حديثه عن براعة البحتري في مدح الملوك حيث قال: « و رأيت البحتري إذا مدح الخليفة كيف يقل الأبيات و يبرز وجوه المعاني» .(3)
و هكذا فإن "ابن رشيق" من خلال هذا النص يبين الأسلوب الأمثل لمدح الملوك و يقر أن البحتري قد برع فيه و هذا النص ليس دليلا كافيا على انتصاره للفظ على المعنى و إنما هو العكس من ذلك .
و رغم الآراء التي أوردها " ابن رشيق" في الباب الذي افرده للفظ و المعنى في كتابه (العمدة) و هي أراء لعدد من الشعراء و النقاد الذين سبقوه حيث يبين أن هناك من فضل اللفظ على المعنى و منهم من فضل المعنى على اللفظ غير انه « لم يبين موقفه صراحة من هذه القضية و لم يوضح إلى أي الفريقين ينتمي مما أوقع النقاد و الباحثين في حيرة شديدة فاتهمه البعض بالغموض و عدم الوضوح »(4) وعلى هذا نجد النقاد قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام في قضية تفضيل "ابن رشيق" للفظ أو المعنى فمنهم من عده من المنتصرين للفظ و منهم من عده من أنصار المعنى و فريق ثالث جعله وسطا و اعتبره من المساوين بين اللفظ والمعنى و قد حاول كل فريق إثبات صحة رأيه من خلال تقديمه لمجموعة من الأدلة.
وأما الفريق الأول الذي اعتبره من أنصار اللفظ فقد اعتمد أصحابه على مجموعة من الحجج حتى يثبتوا صحة موقفهم و نذكر منها :
1- قاموا بنقل بعض النصوص التي أوردها في كتابه (العمدة) و التي يبدو من خلالها تفضيله للفظ على المعنى مثل قوله « ن اللفظ أغلى من المعنى ثمنا »(1) و قد اعتبروا هذا النص دليلا كافيا لإثبات صحة موقفهم .
2 – كثرة النقول التي أوردها لأنصار اللفظ مقارنة بالنصوص التي أوردها حول أنصار المعنى .
3)- «تعليله جودة شعر بعض الشعراء مثل " امرئ القيس" و" النابغة" و "الأعشى" الذين لم يتقدموا على أضرابهم إلا بحلاوة الكلام و طلاوته ».(2)
نلاحظ أن النقاد الذين اعتبروا "ابن رشيق" من أنصار اللفظ قد اقتصروا على تبيين النصوص التي تؤيد موقفهم و أهملوا بالمقابل النصوص التي كانت عكس رأيهم و كثرة حديثه عن اللفظ لا يعد دليلا كافيا لاعتباره من أنصار اللفظ.
أما عن الفريق الثاني و الذي اعتبر أصحابه "ابن رشيق" من أنصار المعنى قدموا بدورهم عدد من الأدلة و الحجج لإثبات صحة موقفهم نذكر منها على سبيل المثال.
1)- أن ابن رشيق قد سار على المذهب الذي سار عليه مختلف النقاد من معاصريه في بلاد المغرب هو تفضيلهم للمعنى على حساب اللفظ.
2)- كما أورد أنصار اللفظ نصوصا تدل على تفضيل "ابن رشيق" للفظ أورد كذلك أنصار المعنى نصوصا أخرى على العكس من النصوص الأولى لأنها تبين و تثبت أن "ابن رشيق" كان من أنصار المعنى ومن هذه النصوص المنقولة عنه قوله: « البيت من الشعر كالبيت من الأبنية قراره الطبع و سمكه الرواية و دعائمه العلم و بابه الدربة و ساكنه المعنى و الأخير في بيت غير مسكون »(1)
نستخلص من خلال قول "ابن رشيق" أن المعنى يعد أهم عنصر من عناصر البيت الشعري فهو قد شبه المعنى بساكن البيت فالبيت الغير مسكون لا خير فيه و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على الأهمية القصوى التي أولاها "ابن رشيق" للمعنى.
ومن النصوص التي استشهد بها أنصار هذا الاتجاه كذلك النص الذي ذكرناه سابقا و الذي تحدث فيه "ابن رشيق" عن براعة "البحتري" و كذلك النص الذي نقله عن "علي" كرم الله وجهه.
3- و مما احتج به أنصار هذا الاتجاه كذلك «تقديم "ابن رشيق" لبعض الشعراء لإبداعاتهم في المعاني و على رأس هؤلاء الشعراء "امرؤ القيس" و "ابن الرومي" ».(2)
نلاحظ أن الفريق الذي اعتبر "ابن رشيق" من أنصار المعنى قد وفق إلى حد ما في إثبات وجهة نظره بالنظر إلى الأدلة و الحجج و كذا الأقوال التي قاموا بعرضها غير أنها لا تعد دليلا كافيا لإثبات انتصار "ابن رشيق" للمعنى على حساب اللفظ.
إذا كان النقاد قد انقسموا إلى قسمين في الإجابة عن السؤال المطروح هل يعد "ابن رشيق" من أنصار اللفظ أم أنه من أنصار المعنى وقد قمنا باستعراض آراء كلا الفريقين لكن ظهر هناك فريق ثالث يرى أن "ابن رشيق" لم يفضل اللفظ على المعنى و لا المعنى على اللفظ و إنما قام بالربط بينهما و اعتبر « العلاقة بينهما قوية جدا مثل ارتباط الروح بالجسد فإن اختل احدهما ضعف الشعر و أصبح خاليا من القيم الفنية و الجمالية ».(3)
و فد اعتمد أصحاب هدا الموقف في إثباته على مجموعة من النصوص المنقولة عنه « و يأتي في مقدمة هذه النصوص النص الذي شبه فيه " ابن رشيق " علاقة المعنى باللفظ بعلاقة الروح و الجسد و هي علاقة تلازمية لا تجعل لأحدهما حياة بدون الأخر و إذا كان بعض النقاد قد و جد في هذا التشبيه دليلا على تفضيل "ابن رشيق" للمعنى (منهم د عبده قلقيلة)فان اغلبهم عده دليلا على مساواة بين اللفظ و المعنى ( منهم د احمد بدوي) ». (1)
ومن النصوص التي تشير إلى المساواة بين اللفظ و المعنى هذا النص و الذي أورده "ابن رشيق" في كتابه (العمدة) «و إنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر به غيره فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى و لاختراعه أو استطراف لفظ و ابتداعه أو زيادة فيها أجحف فيه غيره من المعاني أو نقض مما أطاله سواه من الألفاظ أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر كان إسم الشاعر عليه مجازا لا حقيقة و لم يكن كله إلا فضل الوزن و ليس بفضل عندي مع التقصير ».(2)
وهدا النص يشير إلى أن "ابن رشيق" لم يهمل أي من اللفظ أو المعنى و لم يقدم أحدهما على الآخر فالإبداع الأدبي في رأيه لا يتشكل إلا من خلال حسن التأليف بين اللفظ و المعنى و هو « يمثل المعنى بالصورة و اللفظ بالكسوة فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها و يليق بها من اللباس فقدت معناها و تضاءلت في أعين الناس »(3)؛ و هنا يشبه الألفاظ بالألبسة فالألبسة كلما كانت جميلة تضفي جمالا على لابسها و نفس الشيء بالنسبة للألفاظ فكلما كانت هذه الألفاظ على قدر من الجودة و القوة كانت المعاني في نفس المستوى من الجودة و القوة.
و"ابن رشيق" و في إطار حديثه عن المعنى نجد أنه قد تطرق إلى عدة قضايا متعلقة به منها تعقيد المعنى و الإغراب فيه فكثيرا ما نجد الشعراء يميلون إلى تعقيد المعاني « و قد علل "ابن رشيق" ميل الشعراء إلى التعقيد بثقتهم في أنفسهم و الإغراب على الناس »(1) و قد اعتمد"ابن رشيق "في توضيح هذه القضية على عدة أمثلة من شعر المتنبي و من هذه الأمثلة قول المتنبي في بيت من أبيات شعره :
[ وفاؤكما كالربيع أشجاه طاسمه بان تسعدا و الدمع أشفاه ساجمه](2)
وقد اعتبر ابن رشيق هذا البيت من الأبيات التي يصعب فيها تفسير معناها و هو يحتاج إلى خير و تمكن في اللغة حتى يتمكن تفسير المعنى الذي يقصده الشاعر من وراء هذا البيت و الشاعر في إطار بحثه عن المعاني الغريبة فانه يلجا إلى استخدام بعض الألفاظ التي كان بإمكانه تجنبها و الابتعاد عنها.




(1)http:// www.borsch city.net/parther./book.

(2) الأخضر جمعي اللفظ و المعنى في التفكير النقدي و البلاغي عند العرب منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق سوريا دط.2001.ص 60.

(1) عثمان موافي ، دراسات في النقد العربي ، دار الوفاء الدنيا الطباعة و النشر، الإسكندرية مصر ،دط 2004.ص 94-95.

(2) المرجع السابق ص 95.

(3) المرجع نفسه ص 95.

(1) ابن قتيبة الشعر و الشعراء، دار المعارف، القاهرة ،مصر ط،2 ،1966، ص68.

(2) محمد زغلول سلام تاريخ النقد الأدبي و البلاغة حتى القرن الرابع الهجري ،دار المعارف، الإسكندرية مصر، دط، 2002، ص 137.

(3) المرجع نفسه ص 137.

(1) الأخضر الجمعي اللفظ و المعنى في التفكير النقدي و البلاغي عند العرب ص 61.

(2) محمد زغلول سلام ، تاريخ النقد الأدبي و البلاغي حتى القرن الرابع الهجري، ص138.

عثمان موافى ، دراسات في النقد العربي، ص 96. (1)

إحسان عباس ،تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة ،بيروت لبنان ط 4. .1992.ص 108. (2)

ابن قتيبة ، الشعر و الشعراء، ص 69. (3)

الأخضر جمعي، اللفظ و المعنى في التفكير النقدي و البلاغي عند العرب، ص 59. (1)

المرجع نفسه، ص 60. (2)

محمد الشريدة ، قضايا النقد الأدبي في القرن الثالث الهجري ، دار الينابيع للنشر و التوزيع ، عمان الأردن ط1 ،2005 ،ص 173 . (3)

(1) فوزي السيد عبد ربه عيد ، المقاييس البلاغة عند الجاحظ في البيان و التبيين ، ص 190.

محمد الصغير بنائي ،النظرية اللسانية و البلاغة ،ديوان المطبوعة الجامعية بن عكنون ، الجزائر، دط،1994، ص140 (1)

المرجع نفسه ،ص141. (2)

المرجع نفسه، ص141 (3)

المرجع السابق ، ص 141 . (1)

المرجع نفسه ، ص 142 . (2)

(1) المرجع السابق ص 143

(1) المرجع السابق ، ص 144.

(1) محمد زكي العشماوي ، قضايا النقد الأدبي بين القديم و الحديث ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، بيروت ، لبنان ، د ط ،ذ ت ، ص 248.

(1) المرجع السابق، ص 250.

الرجع نفسه ، ص 251. (2)

(1) محمد الصغير بنائي ، النظريات اللسانية و البلاغة ، ص 157 ، 158.

(1) المرجع السابق ، ص 158–159.

المرجع نفسه، 159-161 (1)

المرجع السابق ص 162 – ص 163. (2)

(1) المرجع السابق ص 146 – ص 165.

(1) المرجع السابق ص 165 – 166.

(1) عايش الحسن ، مجلة جامعة تشرين للدراسات و البحوث العلمية – سلسلة الآداب و العلوم الإنسانية ، بيروت لبنان المجلد (27) العدد (2) 2005 ، ص 41 .

(1) المرجع السابق ، ص 41.

(2) المرجع نفسه ، ص 42.

(1) المرجع السابق ، ص 42.

(2) المرجع نفسه ، ص 42.

(1) المرجع نفسه ، ص 42 .

(1) أبي الفرج قدامة ابن جعفر، نقد الشعر ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ، د ط ، د ت ، ص 153.

(2) المرجع نفسه ، ص 154.

(1) المرجع السابق ، ص 157.

(1) المرجع السابق، ص 167.

(2) المرجع نفسه ، ص 168.

(1) المرجع السابق ، ص 43.

المرجع نفسه ، ص 44. (2)

(1) المرجع السابق ، ص 44 .

المرجع السابق ، ص 43. (1)

المرجع نفسه ، ص 43. (2)

المرجع نفسه، ص 44.(1)

(1) محمود محمد عيسي : النقد الحديث وقضايا التراث البلاغي العربي ، مكتبة نانسي ،دمياط ، القاهرة ، د ط ، 2002 ص 42.

المرجع السابق ، ص 43 ، 44 . (1)

(1) عايش الحسن ، مجلة تشرين للدراسات والبحوث العلمية ، ص 44.

المرجع نفسه ، ص 45. (2)

المرجع نفسه ، ص 46. (1)

المرجع السابق،45.(1)

(2) المرجع نفسه، ص 45.

(1) المرجع نفسه ، ص 46

(1) المرجع السابق ، ص 47.

(2) المرجع نفسه ، ص 47.

(1) صلاح رزق أدبية النص ، دار الثقافة العربية، دب ،ط 1 ، 1989، ص 89.

(2) أبو الحسن ابن رشيق القيرواني المسيلي العمدة في محاسن الشعر و أدبه و نقده ، الطباعة الشعبية للجيش ،الجزائر ،ج1 د ط، 2007، ص 124.

المصدر السابق، ص 124 (1)

المصدر نفسه، ص 125. (2)

المصدر نفسه، ص 126. (3)

المصدر السابق، ص 126 (1)

المصدر نفسه، ص 127 (2)

(3) إحسان عباس تاريخ النقد عند العرب نقد الشعر من ق2 ق،دار الشروق للنشر و التوزيع ،عمان الأردن، ط1، 2006.

(1) ابن رشيق العمدة ص 121

(2) المصدر نفسه ، ص 91

(3) االمصدر نفسه، ص 128

(4) بثينة أيوب و احمد محمود المصري، قضايا بلاغية دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر الإسكندرية مصر ط1 ،2005 ص 188.

(1) أبو الحسن بن رشيق القيرواني المسيلي العمدة في محاسن الشعر و آدابه ص 92.

(2) بثينة أيوب و احمد محمود المصري ،قضايا بلاغية، ص 169.

(1) ابن رشيق العمدة ج1 ،ص 121.

(2) بثينة أيوب و احمد محمود المصري، قضايا بلاغية، ص 190.

(3) بشير خلدون الحركة النقدية على أيام ابن رشيق المسيلي، الطباعة الشعبية للجيش، الجزائر، د ط، 2007 ،ص 177.

(1) بثينة أيوب و احمد محمود المصري قضايا بلاغية ص 192

(2) بن رشيق العمدة ج2 ص 128.

(3) بشير خلدون، الحركة النقدية على أيام ابن رشيق المسيلي، ص 177

(1)بثينة أيوب و احمد محمود المصري قضايا بلاغية، ص 193.

المرجع نفسه ،ص 194(2)
__________________
بِسْمِ الله الّذِي لا يَضُرّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ وَلا في السّمَاءِ وَهُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:36 PM.

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة تومسالت 2011 - 2012